ابن الجوزي

141

صيد الخاطر

95 - الخالق يمهل ولا يهمل سبحان الملك العظيم الذي من عرفه خافه ، وما أمن مكره قط من عرفه . لقد تأملت أمرا عظيما أنه عز وجل يمهل حتى كأنه يهمل فيرى أيدي العصاة مطلقة كأنه لا مانع ، فإذا زاد الانبساط ولم ترعو العقول أخذ أخذ جبار ، وانما كان ذلك الامهال ليبلو صبر الصابر ، وليملي في الامهال للظالم ، فيثبت هذا على صبره ، ويجزي هذا بقبيح فعله . مع أن هنالك من الحلم في طي ذلك ما لا نعلمه فإذا أخذ أخذ عقوبة رأيت على كل غلطة تبعة . وربما جمعت فضرب العاصي بالحجر الدامغ . وربما خفي على الناس سبب عقوبته فقيل : فلان من أهل الخير فما وجه ما جرى له ؟ فيقول القدر : حدود الذنوب خفية صار استيفاؤها ظاهرا . فسبحان من ظهر حتى لا خفاء به ، واستتر حتى كأنه لا يعرف ، وأمهل حتى طمع في مسامحته ، وناقش حتى تحيرت العقول من مؤاخذته . ولا حول ولا قوة الا باللّه . 96 - الاشتغال بالعلم مع ترقيق القلب تأملت العلم والميل اليه والتشاغل به ، فإذا هو يقوي القلب قوة يميل به إلى نوع قساوة ، ولولا قوة القلب وطول الأمل لم يقع التشاغل به ، فاني أكتب الحديث أرجو أن أرويه ، وأبتدئ بالتصنيف أرجو أن أتمه ، فإذا تأملت إلى باب المعاملات « 1 » قلّ الأمل ، ورق القلب ، وجاءت الدموع ، وطابت المناجاة ، وغشيت السكينة ، وصرت كأني في مقام المراقبة . إلا أن العلم أفضل وأقوى حجة ، وأعلى رتبة ، وان حدث منه ما شكوت منه . والمعاملة وان كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها فإنها قريبة إلى أحوال الجبان الكسلان ، الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره ، وانفرد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم . فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات تلذيعا لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم . فإني لأكره لنفسي من جهة ضعف قلبي ورقته أن أكثر زيارة القبور وأن أحضر المحتضرين . لأن ذلك يؤثر في فكري ويخرجني من حيز المتشاغلين بالعلم إلى مقام الفكر في الموت ، ولا أنتفع بنفسي مدة . وفصل الخطاب في

--> ( 1 ) يريد المعاملة مع اللّه - أي الذكر والعبادة ، لا معاملات الناس المعروفة في كتب الفقه .